Friday, 26 November 2010

زوربا اليوناني



                                                            زوربا اليوناني

 النجاح والانتشار الواسع الذي حققته رواية نيكوس كازانتزاكي" زوربا " ، حتى أصبحت مادة مغرية للدراسة والتحليل منذ نشرها في عام 1946 وحتى الآن... يثير الكثير من التساؤلات في فكري البسيط .

والسؤال الأهم : لماذا وقعت الغالبية من القراء في حب بطل الرواية الستيني زوربا ،ذلك الإنسان المتحرر من قيود تخنق رغبته في الحياة... حتى أحبها كما لم يحبها غيره... زوربا المتحرر من الوطن ، ومن الكاهن-الدين- ومن المال!

تخلص زوربا من قلبه وعقله ... وأخضع نفسه لنفسه... ما خضع لحب أو مال أو دين، ولا انتمى لوطن!

كنت كلما أكملت جزءاً بسيطاً من هذه الرواية ، يزيد سخطي وحبي لزوربا في آن واحد ،حتى أرهقتني القراءة  وأعياني تناقض مشاعري تجاه هذا الرجل الذي  يرى في المرأة الشر كل الشر... "هي الظالمة جداً والقاسية جداً، إنها ليست بشر !" .  لأكتشف فيما بعد أن زوربا ما أحب الحياة إلا لأجل المرأة.  وما كره فيها شيئاً إلا لأجلها! هو الذي أحب نوسا ... ليرجع إلى منزله ذات يوم فيجدها قد هربت مع جندي شاب وجميل! فيقول:"لقد انشطر قلبي إلى شطرين . ولكنه سرعان ما التحم من جديد، ياله من خبيث. هل شاهدت قطع القماش البيضاء والصفراء والحمراء التي تصنع منها الأشرعة وتهب عليها العواصف والصواعق دون أن تؤثر فيها. قلبي الآن فيه الثقوب وآلاف الرقع، لذلك فأنا لا أخشى شيئاً".

جربت أن أشمر عن ذراعي وأبحر في  زوربا كرجل مفتول العضلات ، نصف عاري، قد ترك لحيته بلا تهذيب، حتى أقترب منه ، كنت أحتاج لتلك القوة في تصوري  بأني رجل ،لتعينني على الاستسلام لزوربا!

حدثني زوربا فقال:"  لقد فقدت صوابي . إن الشيطان يجذبني من ناحية، والرحمن من ناحية، وهكذا أتمزق بين الاثنين."!    فأستكين أنا،  أليس هذا ما يحدث معنا جميعاً؟ 


أستكين أنا بعد أن كان قد بعثرني بقطعه لإصبعه بالفأس لأنه أزعجه على الدولاب عندما كان يعمل فخّاراً!  أوجعه الأمر لكن أصبعه أزعجه ، فقطعه!!!

لو لم يكن زوربا حياً جداً في رواية كازانتزاكي لوجدت في قطعه لإصبعه، على الحد الأقصى، إشارة مجازية إلى تخلصه من كل ما يزعجه . ولكنه لم يكن كذلك . أنت تقرأ وصدى صوته يتردد في رأسك. أنت ترى ذلك الأصبع المقطوع مرمي قربه وتشم رائحة عرقه المختلط بالدم في منديل يحمله بيده ذات الأربع أصابع ليمرره على جبهته.

 كتب الكثيرون عن  زوربا ،وكان ممن كتب بتعمق ، أنس زاهد في كتابه "هكذا سكت نيتشه هكذا تكلم زوربا" والذي اعتبره أنس زاهد محاولة للغوص في الفكر الزوربي معتبراً إياه- ممثلاً للفطرة الإنسانية في أشد حالات تألقها-!. من ناحية أخرى سعى الكاتب إلى عقد مقارنة بين الفكر الزوربي وبين فكر الفيلسوف والشاعر الألماني فريدريك نيتشه  ... وكلاهما –الرأي لأنس- مبدع منفلت!

في الفصل السابع من كتاب أنس تحليل وافي لنظرة زوربا للمرأة التي يراها "مخلوق ضعيف مشاكس يجب أن تشعرها بالحب في كل لحظة وإلا فإنها تبدأ في البكاء " بالرغم من رؤيته تلك إلا أن أنس يجد أن زوربا  نفذ إلى عمق الروح الأنثوية وتفاعله مع ضعف المرأة لم يتوقف عند حدود التعاطف والإشفاق ، بل تجاوزه إلى مرحلة التقدير والإكبار . يتضح ذلك من خلال دفاعه المستميت عن أرملة الحي عندما اجتمع أهالي القرية لقتلها!

 زوربا شخصية تثيرك، اعجابا تارة و قرفاً تارة أخرى من الفصل الأول للرواية إلى الفصل الأخير في الحياة. جسدها أنثوني كوين في فيلم أنتج في الستينات.

من أقوال زوربا:

-عندما مات طفلي وكان صغيرا كدت أموت من الألم وبينما كان الآخرون يبكون بدأت بالرقص... نعم الرقص. وقال الآخرون عني : لقد جُنَّ زوربا. لو لم أكن رقصت لكنت متّ.
-ان المرأة لسر، انها تستطيع أن تسقط الف مرة لكنها تنهض من جديد عذراء.
- ان الحجارة تصبح حية في المنحدرات!
- ليس لي أي فرح . بلى،عندي فرح واحد : العمل.
- بع ،بع كل ما تملكه لتشتري اللؤلؤة الكبيرة. وهذه اللؤلؤة الكبيرة هي سلام النفس.
- تخلصت من الوطن، تخلصت من الكاهن، تخلصت من المال.انني اغربل نفسي.كلما تقدم بي العمر ، غربلت نفسي أكثر.
- ان الكلمات تلتصق بأسناني التصاق الوحل بالأقدام.انني لا استطيع ان اؤلف جمل حلوة واتصنع المجاملات.
-كتبك تلك أبصق عليها، فليس كل ما هو موجود، موجود في كتبك!

منــال


2 comments:

  1. الأخت/منال

    أسعد الله أوقاتك بكل خير

    المقال يشدني كثيراً لقراءة الروايه

    ووصفك لا يخلو من الأثارة ...اعتقد بسبب التأثر بشخصية زوربا

    أعتقد أنها شخصيته مليئة بالحكمه...

    ولدى استقسار... لماذا زوربا اليوناني
    هل هناك أكثر من زوربا... وهل تعتقدين بوجود زوربا السعودي؟

    تحياتي لكِ

    ReplyDelete
  2. زوربا اليوناني" هو الإسم الفعلي لرواية الأديب اليوناني نيكوس كازانتزاكي
    زوربا شخصية ترمز إلى كل من لا يرضخ سوى لإرادته الحرة المتحررة والمنفلته . هو شخصية لا نمطية قريبة من الأرض والطبيعة . زوربا كائن بوهيمي لا يردعه شئ عن تحقيق رغباته. صادف أن كان حسن النية والسريرة فلم يؤذي أحداً سوى نفسه

    ابحث فيما كتبت أعلاه عن رجل سعودي بهذه المواصفات السلبية والإيجابية في آن واحد وقل لي إن وجدته هل هو سعيد كما كان زوربا؟ بالتأكيد لن يكون كذلك. لأسباب يحتاج سردها إلى مقال آخر

    شاكرة لك مشاركتك

    ReplyDelete

Read & Share , but after posting a comment!