Sunday, 22 June 2014

إعادة قولبة الاستبداد لا تأتي بالإصلاح


لا تقوم قائمة لانتفاضة شعبية ثائرة على الظلم والاستبداد وهي مستندة إلى أسس طائفية وتحالفات مشبوهة. رغم هذه الحقيقة البسيطة، ينجر البعض إلى التفاؤل بشأن تحالف الدولة الإسلامية في بغداد والشام “داعش” مع بقايا حزب “البعث الصدّامي” و”ثوار العشائر” في رفع الاضطهاد عن “سنة العراق”.
جميع ما بين الأقواس تعريفات طائفية عنصرية يُعتقد وهمًا أن تؤسس لدولة مدنية، بل وتتم مطالبة المشككين في نتائج هذه “الثورة” بالصمت و”عدم التأليب” على الثورة. دون وعي للفرق بين التشكيك والتخوف من نتائج هذا الحراك المسلح وبين التسليم بمشروعية الانتفاض على نظام المالكي الذي حول العراق إلى دولة هزيلة مفرغة من مؤسساتها  ومجردة من أي أهداف وطنية عليا.
التطرف والإقصاء وعدم وضوح الغاية هي أبرز العوامل التي حولت الربيع في دول الربيع العربي إلى خريف قاسٍ، وهي نفسها العوامل التي تسيّر الأمور في “ثورة العشائر” العراقية. غير أن الكثيرين اختاروا تجاهل هذه الدلالات الواضحة على اعتبارها توصيفات إنشائية عاطفية لا تصلح لغير تجيير صفحة مكتوبة في رواية ثورية.
طائفية المالكي وحكومته وحتمية سقوطه لا تلغي كون التحالفات التي اجتمعت اليوم في العراق هي تحالفات قوى متناقضة ومشبوهة لن يجلب اجتماعها للعراق غير المزيد من ويلات الحرب والانقسام، بالإضافة إلى أنه ينذر بخروج مشوّه لمارد البعث العراقي من قمقمه الذي سيق إليه. وفي نمطية مخزية، بدأ المالكي بالفعل عمليات “التطهير” لقيادات من الحزب المنحلّ الذي يعتقد ارتباطها المباشر مع أمين سر الحزب، عزة الدوري، بدلًا من السعي إلى حوار وطني يشمل جميع الفرقاء السياسيين بالأخص الذين يعتقد أن لهم دورًا فاعلًا في الأحداث الجارية.
إن إعادة قولبة الاستبداد لا يمكن أن تسمّى إصلاحًا ولا تعني بأي حال من الأحوال تغييرًا إيجابيًّا، وهي على الأرجح الخيار الأخير لشعب أنهكته الإحباطات المتوالية ودفعه اليأس من إيجاد حلول إصلاحية جادة إلى التعلق بقشة قد تكون قاصمة لهذه المنطقة البائسة برمتها والتي تعاني في ذات الوقت من نفس الإحباط والتخبط السياسي واليأس من الإصلاح الذي يكابده العراقيون.
الدليل الأوضح على أن إعادة قولبة الاستبداد لا يمكن أن تنتج إصلاحًا؛ أنّ ما نتج عن إعادة تدوير أمريكا لنظام حزبي فاشيّ في العراق هو نظام محاصصة مذهبي فرّغ العراق من مؤسساته وحوّل جيشه إلى ميليشيات هزيلة ذات ولاءات وانتماءات طائفية فشلت في أول اختبار حقيقي لها في حماية الدولة. هذا، باختصار، هو محصلة الغزو الأمريكي والذي تم على حساب خيرات العراق ومدخرات أبنائه.
ومما يعزّز الاعتقاد في كون الجاري في العراق هو إعادة قولبة للاستبداد ليس كون من يقف خلفه هو من الطائفة السنية وحدها كما يعتقد البعض، بل لأنّ هذا الحراك يسير على نفس الخطى التي يتبعها النظام الحالي بتقديم مصالح محدودة على مصالح وطنية عليا، ويعقد رهانات فاشلة على عناصر خارجية مشبوهة. فانتفاضة العراق اليوم وبهذه الرؤية تراهن على استقراره وتقدمه على يد عناصر إرهابية دموية ساهمت في تقويض الثورة السورية وإنهاكها و صرف أنظار وتعاطف العالم عنها.
الكل يخشى اليوم شيئًا في العراق، أوباما يخشى على إرث بوش هناك، فهو -بحسب الواشنطن بوست- مخيّر بين “الاستسلام لمجموعة من الأشرار أو التسليم لحكومة شريرة”. وإيران تخشى فقدان سيطرتها على الجار الذي تُمثّل سيطرتها عليه طعنة في خاصرة الخليج والذي ساهمَ في دفع ثمن خنجرها بنفسه. دول الخليج بدورها قلقة أيضًا من فقدان السيطرة على مجموعة متطرفة وغامضة وطموحة مثل داعش في ظل توتر سياسي داخلي وتزايد المطالبات الشعبية بالإصلاح دون وجود أي بودار استجابة أو نيّة حقيقية في التغيير على المدى القريب.
منال.
نشرت هذه التدوينة في موقع التقرير يتاريخ 21 يونيو 2014

Sunday, 8 June 2014

المثقف وإشكالية الهُويّة السياسيّة



إنّ تبنّي الإنسان لمواقف سياسية معينة لا يعكس بالضرورة (هُويّة سياسيّة)؛ فالهُويّة تتشكل بانتماء واعٍ ثابت، في حين أن المواقف السياسية قد تمثل (ثقافة) لا تعبر بالضرورة عن أي انتماء سياسي، بالأخص لو خلى المجتمع من صور المشاركة السياسية والتمثيل الحزبي.
هذه الثقافة المعنية تعكس في الغالب علاقة المثقف مع الآخر المختلف، الآخر البعيد، الآخر الغريب. عبرت الروائية التركية الشهيرة إليف شافاق عن الفرق بين رؤية السياسي والمثقف لهذا الآخر بقولها: “السياسيون بحاجة إلى الآخر كوسيلة لتحقيق أهدافهم، أما بالنسبة للكتّاب فمهمتهم لا تكمن في الانقسام ولكن في بناء الجسور بينهم وبين الآخرين. إن التعاطف هو جوهر رواية القصص، وعلينا أن نرى العالم بعيدًا عن كونه خارطة سياسية، فمصائب البعض في باكستان تؤثر على سعادة الآخرين في كندا، و كل شيء في هذا العالم يعيش في حضن الأخر”.
هكذا يتبنّى، أو يفترض أن يتبنى، المثقف موقفه من أي حدث، كما يفترض من السلطة ومن المجتمع بالذات فهم حيثيات حكم المثقف على أغلب الأحداث حوله بعيدًا عن أي تنميط أو تحجير. ولكن ولسوء حظّ الكثير من الكتّاب والمثقفين، فإنّ هذا التفهم صعب ونادر. فقد مثلت إليف شافاق أمام المحكمة بتهمة إهانة الهُويّة الوطنية التركية بسبب روايتها (لقيط إسطنبول) التي تناولت فيها مجازر الأرمن في عهد الإمبراطورية العثمانية؛ الأمر الذي ترفض تركيا رسميًّا الاعتراف بحدوثه. ومثلها تعرّض التركي أورهان باموك الحائز على جائزة نوبل للآداب لكثير من التضييق والاتهامات لتصريحاته حول المذابح التي تعرض لها الأرمن والأكراد في الأراضي التركية، واضطر بعد تهديدات جدية إلى الهجرة والعيش في الولايات المتحدة.
وفي صدامٍ جديد بين المثقف والسلطة، انتقد الأديبان شافاق وباموك بشدة مؤخرًا تعامُل الحكومة التركية مع كارثة انفجار منجم سوما التي راح ضحيتها أكثر من مائتي عامل. ففي حين صرّح باموك بأن حياة الإنسان رخيصة في تركيا، بل واتهم الأديبُ الشهيرُ حكومةَ أردوغان بأنها حكومة قمعية استئثارية لا تمنح الحرية الكافية لانتقاد شروط العمل وحماية حقوق العمال، كتبت شافاق مقالًا في الجارديان هاجمت فيه بشدة رئيس الوزراء أردوغان بعد ركل مستشار في حكومته لأحد المتظاهرين المحتجين على طريقة تعامل الحكومة مع هذه الكارثة. وهذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يتخذ فيها الكاتبان موقفًا معارِضًا بشدة  لسياسة حزب التنمية والعدالة الحاكم وأداء رئيسه أردوغان.
لا يهمّني في هذا المقال أن أعلنَ عن أيّ موقف سياسي من حكومة أردوغان. كما يجب عليك كقارئ أن لا تهتم كثيرًا بمعرفة حقيقة موقف السيد أردوغان من مجازر الأرمن، أو الاجراءات التي اتخذها مع مستشاره. كما لا ينبغي أن يجرّك الفضول لتبحث عن كيفية تعامل حكومته مع كارثة منجم سوما، ومدى صحة اتهامات شافاق وباموك للحكومة بالإهمال واللامبالاة. بمعنى آخر؛ لا يجب عليك أن تهتم الآن باتخاذ موقف من الكاتبين بناءً على صحة آرائهما من عدمها، غير أن عقلك لا بدّ أن يعتاد على تقبّل فكرة مهمة، وهي أن آراء الكاتبين السياسية، وإن لم تجدها صحيحة، لا تعبّر بالضرورة عن هوية أو انتماء سياسي أكثر من كونها تعكس هوية وانتماءً إنسانيًّا بحتًا يجب تقبله واحترامه. إن ما يجمع بين إليف شافاق وأورهان باموك بالإضافة إلى شهرتهما العالمية، هو اهتمامهما وارتباطهما العاطفي العميق بوطنهم الأم تركيا؛ هذا الارتباط يجعل من الصعب جدًّا عليهما تجاهل أي أمر يحدث على أرضها بعيدًا عن أي حسابات سياسية. ففي حوار أجرته معه النيويورك تايمز، يعترف أورهان باموك بعدم وجود أيّة قناعات سياسية منتظمة لديه، وأنه يكتب في السياسة بصفته مواطنًا تركيًّا (متورطًا) في المواطنة. ويضيف باموك: “أهتم بالظروف الإنسانية ولا أحمل أي بطاقة حزبية. وكتابتي للروايات السياسية لأن فن الرواية يكمن في قدرة الإنسان على رؤية العالم من خلال عيون الآخرين. إن التعاطف هو أعظم قوة للروائي”.
التعاطف، ذلك الساحر الذي يربط  إليف شافاق وأورهان باموك بالآخر، وهو أقصى ما يختبئ خلف آرائهما ورواياتهما وخلف مواقف الكثير من الكتّاب والمثقفين السياسية، حيث الثقافة في أجمل ما يشرحها هي جهد إنساني يعطي الإنسان شعورًا بالكرامة.
منال 
نشرت هذه التدوينة في موقع "التقرير" بتاريخ 7 يونيو 2014

Sunday, 25 May 2014

صهر الوعي في ذكرى النكبة

محمد على يمين الصورة و نديم على يسارها


مرّ خبر استشهاد مراهقين فلسطينيين في ذكرى يوم النكبة 15 مايو الماضي كما تمر الأخبار من الأراضي المحتلة مرورا كريما يراعي حالة البؤس العربي العام. نديم نوارة (17 عام) ومحمد أبو الظاهر (16 عام)، استشهد كلاهما برصاصة إسرائيلية أثناء وقفة تضامنية  مع الأسرى المضربين عن الطعام أمام سجن عوفر الذي يضم أكثر من 20 أسير فلسطيني من أصل 180 أسير مضرب عن الطعام في سجون الاحتلال احتجاجا على الاعتقال الإداري. الحادث المؤلم أوردته صحيفة "النيويورك تايمز"، المرة الأولى كخبر في نسختها الألكترونية، والثانية كتدوينه تشمل فيديو يصور عملية إطلاق الرصاص الحي على الشابين أمام السجن في قسم التدوين الخاص بالصحيفة، كما نشر الخبر اليوم التالي للحادثة في نسختها الورقية.
وقف نديم و محمد بالقرب من سجن عوفر تضامنا مع المعتقلين الإداريين ولم يشكل الاثنان، كما أظهر تسجيل الفيديو،  أي تهديد مباشر على القوات الإسرائيلية. نديم تلقى رصاصة قاتلة في صدره، وأصابت محمد رصاصة قاتلة في الظهر.
وجدت في بعض المواقع و الصحف المعدودة التي نشرت الخبر صور للشهيدين يظهر فيها نديم و محمد بابتسامة تغمر القلب و أمل يشعل الوجدان  يصعّبان عليك تجاهل خيبة رحيل هذه الأرواح  مبكرا
الاعتقال الإداري المغيّب عن الرأي العام، والذي كلّف التعاطف مع ضحاياه نديم ومحمد حياتهما، هو اعتقال يصدر بأمر إداري دون توجيه تهمة، يبقى الأسير في المعتقل لمدة غير محدودة تبدأ هذه المدة بثلاثة شهور قابلة للتجديد حتى خمس سنوات. يخضع قرار الاعتقال الإداري لمزاج سلطة الاحتلال وتقارير إستخباراتية تنقصها الأدلة الصريحة الكافية لتوجية التهمة للأسير عبر القضاءالاعتقال السياسي أيا كان نوعه هو اعتقال  يستهدف الروح و العقل، ويحطم القطع التي تشكل الوعي الواحدة تلو الأخرى، ويبقى الجسد .. عبئا آخرا يحمله الأسير ولا يعرف كيف ومتى الخلاص منه. الهدف من هذا الاعتقال كما يصفه الأسير وليد دقة في رسالة له من المعتقل "الهدف هو إعادة صياغة البشر وفق رؤيا اسرائيلية عبر صهر وعيهم، لا سيما وعي النخبة المقاومة في السجون". وهو ما تهدف له البقية الباقية من الاعتقالات السياسية حول العالم.
بين سجين سياسي في عوفر وجثتي نديم ومحمد الممددتان أمام السجن فواصل عمرية وحسابات شاسعة اختزلها الغبن والاحتلال وجمعها في كفة واحدة: كفّة "القضية"، قضية ستظل تهزم بعض النخب الفكرية العربية التي قررت الاحتفاء بذكرى النكبة بالدعوة إلى الانطلاق والتحرر منها عبر التفكير من منظور آخر بعيد كل البعد عن واقعها، منظور يتهم نضال أصحاب الأرض  بالغرق في أحلام وردية بينما هو غارق في رومانسية تفهّم العدو وتقبل الآخر. نخب ساهمت من حيث لا تعلم في صهر وعي ""أعداء إسرائيل" من العرب في الخارج، وساعدت اسرائيل كثيرا بإعطائها المزيد من الوقت و الحرية في السيطرة على أعداء الداخل أصحاب الحق، أصحاب الأرض. بينما وفي ذات الوقت يتزايد وبشكل ملحوظ عدد اليهود المناهضين للصهيونية والجماعات اليهودية الرافضة لوجود دولة اسرائيل والداعية لمقاطعتها بل وإلى تفكيك كامل لما تسميه بعض هذه الجماعات "دولة المسخ إسرائيل"، والتي وصل عددها في بريطانيا وحدها إلى أكثر من خمس منظمات يهودية تعمل مع غيرها حول العالم على تفعيل مقاطعة دولية اقتصادية ثقافية على كل ما هو اسرائيلي.
صهر الوعي وتطبيعه حتى يرضخ للمحتل، وحصر الحراك الشعبي في محاولة التعايش السلمي مع الاحتلال لن ينجح ببساطة  في تغيير واقع أن دولة إسرائيل محتلة ولن يلغي شرعية المقاومة وحق تقرير المصير.
منال


نشرت هذه التدوينة في صحيفة التقرير بتاريخ 24 مايو 2014


Monday, 12 May 2014

شمولية الفكر.. شرٌ مُطلق





أغلب الصراعات التي تصل إلى نقطة اللاتراجع تنشأ في بدايتها من مقاومة الحركات الاجتماعية الساعية للتغيير. ما يحدد جدية وعنف هذه المقاومة هو درجة الخوف من التغيير و مدى الاستسلام والاطمئنان لحالة (الوضع الراهن).
في أحسن الأحوال تبدأ مقاومة التغيير بالترهيب منه، وقد تنتهي في أسوأ السيناريوهات بالدخول في صراعات دموية ومجازر كارثية المردود على المجتمعات. كلما زادت حركة وعمق وسرعة هذه التحركات الاجتماعية الساعية للتغيير كلما زادت درجة العنف في التصدي لها. وبحسب علماء الاجتماع فإن التصدي العنيف لمطالب التغيير يُسوّغ له قانونياً على اعتباره “ضابط اجتماعي” لتحركات تروج “لسلوك منحرف” يجب السيطرة عليه وضبطه.
الكثير من الدراسات التي توسعت في تحليل أشد الصراعات دموية في القرن العشرين كمجازر البوسنة ورواندا، درست عامل (الضبط الاجتماعي) كمحرك أساسي لهذه المجاز، ومبرر لشرعيتها، ومسوغاً لتعايش فئة ليست بالقليلة من الناس معها. وقد يكون لهذه الفئة ثقلها ووزنها المؤثر في المجتمع. فلم يدين رجال الدين في بورما مثلاً أي من المجازر ضد المسلمين، بل قاد الرهبان البوذيون الهجوم على ممتلكات المسلمين ومساجدهم ومنعوا وصول المساعدات الإنسانية لهم. بالرغم من أن الرهبان أنفسهم لعبوا في الأمس القريب دورًا أساسياً في الانتفاض ضد ديكتاتورية الحكم العسكري و تزعموا سعياً حثيثاً للتحول الديمقراطي في بورما.
يتضح من هذا التناقض في تبادل أدوار الرهبان أن (السلوك المنحرف) عامل متغير وليس ثابتاً في معادلة الضبط الاجتماعي، يحدده الأقوى و يخضع له الطرف الأضعف في سياق شامل من عدم المساواة على الصعيدين السياسي والعسكري لا العرقي. ففي المجازر التي شهدتها البوسنة والهرسك مثلاً كان التفوق العرقي من نصيب البوشناق المسلمين غير أن الغلبة العسكرية كانت للصرب.
وإذا كان الحديث هنا بدأ من أقصاه، فذلك لأن نمطية الصراع في المجتمعات الخاضعة لحكم شمولي، ديمقراطي كان أو استبدادي، هي نمطية واحدة مع اختلاف درجة (كارثية) النتائج. فنتائج هذا الصراع تعتمد في الأساس على جدية السعي للتغيير وحجم التنازلات التي يقدمها الطرف الأضعف الخاضع لضبط سلوكه المنحرف!
ومن الأمور التي ترسخ هذه النمطية تعزيز الخلافات الطائفية والفكرية، وتهميش الأصوات العاقلة المعتدلة في المجتمع حتى تختفي وتنطوي لصالح غلبة الأصوات العالية المتطرفة الخاضعة للفكر الشمولي الذي يختزل صوت المجتمع في جوقة واحدة. حيث يهدف الفكر الشمولي كما وصفته حنّا أرنت في كتابها الشهير (أصول الشمولية)، إلى “محو الوعي بحتمية التعايش مع الآخر المختلف في فضاء مشترك، ولا ينجذب لزخم الشمولية ومنهجها سوى النخبة والرعاع”، فيشكل كلاهما طبقة هلامية سميكة تحمي مبدأ الشمولية و تعزز أحكامه و تبرر مقاومته العنيفة لأي تغيير.
وبهذا التسلسل الدراماتيكي الذي يلغي بالتدريج إنسانية الآخر، تعتقد حنا أرنت بأنه لابد أن “يظهر الشر المطلق في المراحل النهائية من الشمولية، وبالوصول إلى هذه المراحل النهائية تعرف البشرية الوجه المتطرف للشر”. يحدث هذا وكل طرف في الصراع مغيب عن حقائق تاريخية واضحة، ويصبح الوعي الجمعي عمودياً لا يدرك غير نمط واحد من الفكر، رابطاً هذا الفكر بالولاء والانتماء إلى سلطه تقف حارساً رقيباً على رأس هذا الوعي المنقوص!
في كتابه (المجتمع المفتوح و أعداؤه) فسر الفيلسوف كارل بوبر الانجذاب نحو الفكر الشمولي والاستسلام له بأنه “خوف من حرية التفكير والاختيار التي بدورها تقتضي المسؤولية، وأغلب الناس يخشون المسؤولية، ولذا يرغب الناس في تسليم أمرهم لنسق عملي من الفكر يقوم بالتفكير والتخطيط نيابة عنهم”، ويختم بوبر هذا الفصل من الكتاب بقوله: “مقاومة التغيير السياسي لا يمكن أن يحقق السعادة. العودة إلى الانغلاق والتشرذم ستصل بنا إلى محاكم التفتيش و الشرطة السرية، فقمع العقل والحقيقة ينتهي بتدمير أكثر وحشية وعنف لكل ما هو إنساني”…

منال 

نشرت هذه التدوينة في موقع "التقرير" بتاريخ 10 مايو 2014
http://altagreer.com/6940

Monday, 28 April 2014

إدارة السيطرة على الجمهور


سؤال بسيط جداً،يسأله المواطن البسيط جداً، ويجد البعض في طرحه والإجابة عليه مسؤولية وطنية و خلاصاً. و البعض الآخر يشعر أن في هذا التساؤل تهديداً لأمنه و سلامته.
لماذا نحن مختلفون عن العالم في كل شيء؟
المسألة لا تبررها خصوصية عربية و دينية، فنحن مختلفون أيضاً عمن يشاركوننا الهوية والدين. وليس الأمر تبرره كذلك الخصوصية السعودية، فنحن أنفسنا مختلفون عما نحن عليه في خارج هذه البلاد، حفظها الله وأدامها…
الواقع الآخر المحير هو أنه وبالرغم من تقبلنا لاختلافنا مع العالم ،بل واستحساننا لتناقضنا مع ذواتنا غير أننا لا نقبل إطلاقا فكرة الاختلاف فيما بيننا،و يبقى “الإجماع” على رأي واحد،و شكل واحد،و فكر واحد،هو في رأي الكثيرين صمام الأمان. هذا الرأي والفكر الواحد يقابل كل ماهو مختلف عنه بالاتهام بالضلال و استدعاء الفتنة !
 العجيب في أمرنا أيضاً، هو أن البديهيات المنطقية حول العالم، حتمية الاختلاف كمثال، تعتبر في مجتمعنا ظواهر جديدة  يجب التذكير بتقبل وجودها والتعامل السلمي معها.
بالرغم من حتمية الاختلاف وبديهية التقبل، فإن الرغبة الجامحة في السيطرة يبدو تفسيراً جيداً لعدم تقبل اختلاف الآخر،وفرض خامة واحدة من الأفكار ومقاومة ما يخالفها. إذا كان هذا التحليل صحيحاً وهو الأرجح، فمن المهم أن يدرك المهووسون بالسيطرة على مجريات الأمور وتوجهات العقول حقيقة علمية مهمة، وهي أن السيطرة جزء مهم في اﻹدارة control management، ولكنها تعتمد في الأساس على دراسة ردود الأفعال  feedback، ومن ثم اتخاذ إجراءات تصحيحية corrective actions. ومن غير الاستجابة السريعة لإنذارات واضحة بحدوث خلل ما في أي مشروع أو نظام، وتبني إجراءات تصحيحية لتعديل هذا الخلل في وقت مناسب فستخرج الأمور عن السيطرة المرجوة.
لا يعني هذا أن السيطرة على العقول هو هدف سهل  أو حتى متاح. فمن ناحية فلسفية، يرى نعوم تشوميسكي أن أصحاب النفوذ في العالم يسيرون على منهج السيطرة على الجمهور. ومبدؤهم في هذا “أن على الأقوياء تحقيق أهدافهم بأي وسيلة ممكنة. وطالما أن الجمهور باقٍ تحت السيطرة ، فلا أهمية للرأي العام”. وهو ما قد يصادف النجاح في بعض الأمور والقضايا العابرة. لكنه لا يشكل حلاً على المدى البعيد إطلاقا. ولا يمكن التحكم حقيقة في الجمهورإلا من خلال نافذة واحدة ضيقة سرعان ما ينكشف زيفها للناس،وهي نافذة البروباجندا والإعلام في الغالب. وتبقى القناعات والأفكار بعيدة تماما عن أي سيطرة.
منال
نشرت هذه التدوينة في موقع "التقرير" بتاريخ 25 إبريل 2014

Sunday, 27 April 2014

لوحة الحلم المستحيل للفلسطينية ليلى شوا






                                                             Laila Shawa, Impossible Dream, 1988

Saturday, 7 September 2013

رسالة حب من هنري ميلر إلى أناييس نن




إن ذاتي الخائفة ماتت. تلك الذات كانت سلبية، مُهمِلة، وغائبة عن الوعي.
والرجل الذي أنا عليه الآن يقِظ وفعّال، إنه يقفز، ويُقاتل، ويرفض أنْ يُرخي قبضته.

هناك فرق، ألا ترين؟
الذات القديمة كانت ستنحل وتذوي على السرير،
أو ستسكر، 
أو تهيم على وجهها في الشوارع،
أو تلجأ إلى صديق قديم.

لم يعد ياستطاعتي فعل هذه الأمور هذه الأمور كلها كانت تُخفف عني، تمكّنني من العويل ألماً ومعاناة، وربما كنتُ أرغب فيهما حينئذٍلكنني لم أعد أريد أنْ أُعذِّب نفسي، سوف أضع نفسي تحت تصرّفك دائما، وجهاً لوجه، بسرعة، ومباشرة.
لن أسمح بأي غلط، ولا بأي حادث يتطور سريعا إلى سوء فهم. لن أسمح لنبات ضار واحد ينمو في الحديقة التي نُعدّ.

إنَّ الحياة قصيرة قِصراً مُرعباً ، فلنُحقق فيها معاً رغباتنا كلها.
يجب أنْ نُمسك بالزمن ونلوي عنقه...
 يجب أنْ يعيش كلٌ منا داخل الآخر

                                                     هنري







Thursday, 11 October 2012

الهاجس الأوْلى


يقف الشرطي على عتبة باب منزل ليندا ليخبرها أن زوجها جيم قُتل في حادث سيارة ، فتساعدها والدتها في تخطي هذا اليوم الحزين ورعاية ابنتيها. وفي اليوم التالي المقرر لتحضير الجنازة ، تستيقظ ليندا لتجد زوجها حيا يرزق ! وتستوعب مع توالي الأحداث أنها تعيش بعقلها اسبوعا تقدمت أيامه يوما بعد يوم بين أيامها الحقيقية. أي أن عقلها يسترق النظر إلى المستقبل لحثها على تدارك المصيبة المقرر حدوثها يوم الأربعاء،  وهي وفاة زوجها جيم.
تبذل ليندا مجهودا في ترتيب الزمن لعلها تستطيع فعلا انقاذ حياة زوجها ! ومع تقدم الأيام في عقل ليندا، يرتفع الستار تدريجيا أمام عينيها ليكشف عن مستقبل لم تظهر أحداثه بعد في الواقع. لتظهر في أحد فصوله تفاصيل خيانة زوجها جيم لها وعلاقته مع سكرتيرته الشقراء. فتدخل ليندا بذلك في دوامة من الأسئلة الملحة : هل يستحق جيم انقاذه من الموت قبل يوم الأربعاء؟ هل تستحق حياتنا الزوجية الباردة والمملة كل هذه المحاولات؟ كيف ستكون حياتنا أنا وبناتي من غيره؟ ماذا لو تركته يموت!؟. هذا باختصار ما تدور حوله قصة فيلم من انتاج 2007 ، بعنوان “الهاجس” ومن بطولة ساندرا بولوك.

كم مرة وضعتنا الحياة أمام مفترق طرق يجبرنا على الخروج برؤوسنا من حيّز الراحة الذي نتقوقع في نطاقه مستسلمين غالبا لانكساراتنا وخيباتنا ؟ ليست كل الطرق بحدة ووضوح الجرف الذي وجدت ليندا نفسها على أطرافه.. غير أن جميع الخيارات خارج حيز الاستسلام للإحباط تستحق منا مجازفة الخروج إليها، ومحاولة تغيير واقع تعيس تعودنا عليه و تعود علينا حد الراحة !
ليندا لم تستسلم لحقيقة خيانة جيم لها، ولا لواقع بؤس حياتهما الزوجية، وفضلت المحاربة لأجل ما هو أهم.. وبعد صراع مع كبريائها ، قررت أن تبذل المستحيل لإنقاذ حياة جيم ، ورفع زواجها إلى رف أولوياتها، بمنحه مساحة ولو صغيرة في الحياة تمارس فيها عملية إنعاشه، بعد أن كانت قد استسلمت لإحباط غياب الحب والإخلاص عن زواجها.
تحديد الأولويات أصعب بكثير من ترتيبها. والضياع الذي قد نشعر به في حياتنا يكون في الغالب نتيجة لالتباس أولوياتنا علينا، واستنزاف طاقاتنا على أمور لا تبعث في نفوسنا الكثير من السعادة ! كل ما نحبه يستحق المجازفة بإرباك الأرض من تحتنا ، ومحاولة الوصول به من السكون والاستسلام القاتل إلى منطقة آمنة، شرط أن تعدنا تلك المناطق الجذابة بالسعادة.

نشرت هذه التدوينة في "الشرق" بتاريخ 29 سبتمبر 2012

Tuesday, 11 September 2012

ما بين الرأي ووجهة النظر



يتشكل الرأي وفقًا للحقائق التي تعرض على الشخص، وتختلف آراء الناس تجاه حقائق مؤكدة باختلاف فهمهم ورؤيتهم لها. بينما ترتبط وجهة النظر حتما بعلاقة الشخص العقلية أو البدنية مع كائن أو حدث دون أن يستدعي ذلك توفر أي حقائق كبرى على امتداد مساحة وجهة النظر.
يرى أبو خالد في “الدكة” أمام منزله فرصة جيدة لتقوية علاقات أهل الحي الذين يفتقدون مكانًا يجمعهم بعد التاسعة مساء، بينما تكره أم خالد وجود “الدكة” لأنها من وجهة نظرها تشوه شكل المنزل من الخارج والحقيقة أن تعديلا بسيطا لقماشها قد يغير ذلك ، ولكنه لا يغير حقيقة أثر وجود الدكة في تغيب ابو خالد الطويل عن المنزل ! ولو أعلنت أم خالد رأيها بدلًا من وجهة نظرها ، لظهرت على السطح حلول عديدة للمشكلة الحقيقة. ولكنها لم تفعل بل وتعمدت تشتيت الانتباه عن السبب الرئيسي في عدم تقبلها للدكة بقولها: إنّ للجيران ألسنة ينطقون بها، وللجدران آذانُ ! وبهذا فإن أم خالد –هداها الله- أعلنت الحرب على كل “دكات” الحي ، في موقف متطرف وغير عقلاني !
المتأمل لقصة (أم خالد)! يدرك حقيقة حجم المشاكل والصدامات التي قد تصل إلى التحريض من وراء عدم البوح برأي صريح مبني على حقائق ، يثريه الاختلاف ، ولا يفرغه الاجماع عليه من العدل والإنصاف.
أما فيما يتعلق بوجهات النظر ، فإن قدرة الشخص على استيعاب “وجهات نظر” متضاربة حول موضوع واحد هو من أمارات ذكائه وجاذبيته العقلية. والأجمل من ذلك أن تختلف وجهات نظره هو نفسه حول أمر ما. مثل هذا الشخص في رأيي قادر على تجديد وتغيير علاقته الذهنية بالأمور أو الأحداث بما يحقق مصالح خاصة أو عامة ولا يتصادم مع أي حقائق. لذلك فإنه من الجيد بل من الضروري التفريق بين ما يدور في ذهنك وبين ما يدور في الحقيقة.
منال 
نشرت هذه التدوينة في "الشرق" بتاريخ 10 سبتمبر2012

Tuesday, 14 August 2012

حج رومني وقرابين أوباما


وقّع باراك أوباما نهاية يوليو الماضي على قانون تعزيز التعاون الأمني مع إسرائيل، كما أعلن عن مساعدات عسكرية بقيمة 70 مليون دولار لدعم مشروع الدرع الصاروخي الاسرائيلي “القبة الحديدية”. وهو نظام صاروخي دفاعي متحرك مهمته اعتراض أي هجوم صاروخي على اسرائيل ، شاركت أمريكا من قبل فيه بمبلغ يتجاوز الـ200 مليون دولار. قيمة صاروخ الاعتراض الواحد بحسب صحيفة هآريتس الاسرائيلية  لا يقل عن 62 ألف دولار، وتبلغ قيمة الواحدة من بطارياته عشرات الملايين من الدولارات.
وبهذا ستظل أمريكا ملتزمة بتمويل نظام القبة الحديدية من خلال مثل هذه التشريعات والقوانين التي وقع باراك أوباما على أحدها.
في اليوم التالي لقرابين أوباما السبعين ، أعلن منافسه رومني أثناء زيارته لإسرائيل أن القدس هي عاصمة دولة اسرائيل الشرعية، وأيد نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس! جاء ذلك خلال تصريحات عنصرية ممجدة لإسرائيل تمثلت في قوله: يعود الفضل لإنجازات إسرائيل  إلى “تفوقها الثقافي” ويد العناية الإلهية! مما أثار الكثير من السخط على رومني حتى أن راشيل شابي الكاتبة اليهودية من أصول عراقية عنوَنت مقالها في صحيفة الجارديان بعنوان: ميت رومني يهين العالم في جولته! في إشارة إلى ما قاله حول تفوق إسرائيل الثقافي.
غير أنه وعلى الرغم من حج رومني وقرابين أوباما لإسرائيل، إلا أن غالبية يهود أمريكا الذين لا تتجاوز نسبتهم 2%، هم من الحزب الديمقراطي وعلى الأرجح أن ما لا يقل عن 60% منهم سيصوتون لصالح باراك أوباما بحسب ما صرح به مؤخرا بول شام مدير معهد غيلدنهورن للدراسات الإسرائيلية.
إذن فمسألة التقارب الأمريكي الإسرائيلي إن لم تؤثر كثيرا في كسب الأصوات اليهودية الأمريكية فإنها لا تتعدى كونها تقاربا انتهازيا روتينيا. فإسرائيل تنتهز حاجة المرشحين الجمهوري والديمقراطي إلى دعم مادي ومعنوي في حملاتهم الانتخابية وإلى الفوز ببعض الأصوات اليهودية المترددة في بعض الولايات، بالإضافة إلى كسب ود اللوبي الصهيوني المهيمن على مؤسسات إعلامية كبرى والمؤثر على قوى نافذة في أمريكا. هذا الدعم الصهيوني لا يمكن أن يحل محله أي دعم عربي بديل ، فأمريكا ترى في إسرائيل الديمقراطية الوحيدة القوية في المنطقة ، والأهم من ذلك أنها الأقرب إليها سوسيولوجيًا وأيدلوجيًا.
على الجانب الآخر فإن إسرائيل تستفيد من اللهاث الانتخابي الأمريكي بتلقي ضمانات عالية على أهمية وأولوية أمنها القومي ، وربما في هذه المرة تحصل اسرائيل على ضوء أخضر أمريكي ودعم لوجستي في حال قررت ضرب إيران. والفيتو الأمريكي أمام أي قرار ضد اسرائيل في الأمم المتحدة سيكون حينها على رأس قائمة هذا الدعم.


منال 

نشرت هذه التدوينة في "الشرق" بتاريخ 12-8-2012

Friday, 3 August 2012

ابحث عن هؤلاء ولو في دكان الحي


لا يوجد كمال بشري ، والشر والخير غير مطلق. غير أن هناك نوعاً من البشر يجيد باحترافية إخراج أسوأ ما في الناس. ولديهم قدرة ممتازة على شحن المجالس بالسلبية وقلب مزاجك إلى مزاج دفاعي قد يتحول بمزيد من الضغط إلى مزاج عدائي. وفي أحسن الأحوال فإنهم يعطلون بمهارة عالية أي ايجابية يمكن لها أن تثري اجتماعًا أو تنعش مجلسًا. هذا النوع من الناس حرَم نفسه الكثير من الخير ، وعجز عن إدراك فضل كبير قد يعود عليه ممن يجمعه بهم نقاش أو عمل.
يعترف مدير قسم التطوير في احدى الشركات الكبرى للبرمجة فيقول: “على الرغم من وجود أربعمائة مهندس يعمل لدي، غير أنني لا أستمع جديا في اجتماعاتنا سوى لموظفين اثنين فلا أحد من البقية لديه ما هو جدير بالاستماع”. مثل هذا المدير أو الصديق أو القريب يسمى بلغة الإدارة : المُقـلّل Diminisher ، فهو يقلل من قيمة كل شئ و كل شخص و كل فكرة لأن “الأنا” لدية لا تسمح له بتجاوز أنفه ! أو لأنه يخشى تفوق الآخر في مجال يعجز عن مجاراته فيه ، أو إذا نحن أحسنا الظن ، فربما يكون سبب ذلك عدم تقديره الجيد لقدرات الأشخاص. ويُنصح في ذلك الابتعاد كثيرًا عن مخالطة هؤلاء و عدم إلقاء اللوم كثيرا على نفسك في حال استفزك أحدهم ، فهذا النوع من الشخصيات معلوم ومرصود. بل وتخرج بعض الدراسات بين الحين و الآخر تحذر من الاستسلام لهم وتنصح بالخروج من دائرتهم الضيقة.
على النقيض من هؤلاء يوجد الأشخاص المُضاعِفون Multipliers ، الذين “يدبّـلون” قدراتك ، ويحررون أفكارك، ويطلقون لسانك ويستثمرون في أسهم نجاحاتك القليلة بثقة. لا يطلقون الأحكام عليك ويحبونك كما أنت و يحترمون ما تفعل. هم موجودون حولك ، افطن لهم، وإن لم تجدهم فابحث عنهم. وقد يكون أحدهم حلّاقك أو البائع في دكان الحي !

منال 
نشرت هذه التدوينة في الشرق بتاريخ 2 اغسطس 2012

Tuesday, 24 July 2012

هل الشيعة راضون عن حزب الله ؟ و ماذا سيفعلون تجاه مرارتهم ؟



كتبته: حنين غدار
23 يوليو 2012

"حزب الله ! لم أعد أعرف من هم تحديدا بعد الآن" هذا ما جاء على لسان سهى، وهي امرأة شيعية (50 عاما) عاشت حياتها كلها في جنوب لبنان. نجت من الحرب الأهلية اللبنانية و الاجتياح الاسرائيلي، ولم تشكو في أي وقت مضى من حزب الله، على الرغم من اختلافها مع أيديولوجية الحزب. "رأيتُ الحزب ينمو ويتطور ليتحول إلى الحزب الأكثر ثقة في الجنوب. عزز من فكرة المقاومة و تجاوز الكليشيهات والخطب. وقد قاوم إسرائيل وحرر الجنوب. كل هذا حدث في السابق عندما كان التحرير هو اهتمامه الأول. أما اليوم فالحزب يبدو مشتتا و ضعيفًا" كما تقول سهى.
العديد من الشيعة يشاركون سهى مخاوف اليوم. إنهم يرون حزب الله عالقا في زاوية ويتصرف بشكل دفاعي، ولا يعجبهم ما تقوم به قيادتهم على العديد من المستويات. غير أنهم خائفون أيضا ولا يستطيعون التخلي عن حزب (الإله) ، مرجعهم السياسي الوحيد.
أتباع حزب الله يشعرون اليوم بالمرارة لثلاثة أسباب رئيسية:
أولا: لأن حزب الله ما زال يدعم النظام السوري الذي يزداد ضعفا يوما بعد يوم. و البعض من أنصار الحزب، وخصوصا اليساريين والشيوعيين السابقين، لا يحتملون موقف الحزب من النظام السوري. فبالنسبة لهم، لدى السوريين الحق في الثورة ضد الديكتاتور من دون أن يُتهموا بالإرهاب و الإجرام. و البعض الآخر يخشون فقط على مصير حزب الله عندما يسقط النظام السوري، و يعتقدون أن الحزب يجب أن يكون عمليا و أكثر واقعية وبرغماتية.
ثانيا: لا يمكن بعد الآن تجاهل تزايد الفساد في جميع صفوف حزب الله ، ولا سيما بالنظر إلى تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان. ففي حين أن العديد يفقدون وظائفهم أو على الأقل يعانون من نفقات الحياة اليومية، فإن أعضاء حزب الله وعائلاتهم يبدو عليهم  الإزدهار ماديا ولا يخفون ذلك. وقد خلق هذا مرارة في قلوب أنصار الحزب من غير الأعضاء الذين يحتاجون للتوسل من أجل على الحصول على أي مساعدات، خلافا لكثير من أعضاء حزب الله الذي يبدو أنه اكتسب كثيرا من التعويضات بعد حرب تموز 2006.
ثالثا: في رأي كثير من اللبنانيين أن حزب الله  و لأول مرة يسيطر على أسوأ حكومة خلال عقود. فخدمات الدولة للمواطنين غير موجودة و خدمات الكهرباء لم تكن يوما بهذا السوء ، ونسبة البطالة آخذة في الارتفاع، و معدل الجريمة في ازدياد، والقوات السورية تنتهك الحدود اللبنانية اسبوعيا. في حين ان الحكومة تتمسك ب"سياسة الفصل" تجاه الربيع السوري.  
وفي خطابه الأخير، سمى الأمين العام للحزب حسن نصر الله وزير الدفاع السوري المقتول آصف شوكت ، سماه رفيق السلاح والمقاومة ! في أنه حين لا يوجد لبناني يستطيع أن ينكر جرائم آصف شوكت في لبنان و كيف عانى بسببه اللبنانيون.
الحقيقة أنه لا أحد سعيد في لبنان. لكن الشيعة بالإضافة إلى عدم سعادتهم فهم خائفون. و حزب الله اليوم هو الوحش الذي ينزف من جروح عديدة. ففي أنحاء العالم يشار بأصابع الاتهام إلى حزب الله وايران لتورطهم في تفجير انتحاري قتل فيه السياح الإسرائيليين في بلغاريا في الاسبوع الماضي . كما اعلنت اسرائيل يوم الجمعة الماضي أنها ستدرس خيار القيام بعمل عسكري إذا دعت الحاجة لضمان عدم وصول الصواريخ السورية أو الأسلحة الكيميائية الى حلفاء بشار الاسد في لبنان، أي حزب الله. و نتساءل اليوم من سيدفع ثمن هذا الهجوم من جديد؟ الشيعة !
في هذه الأثناء، فإن الحكومة اللبنانية بقيادة حزب الله، لا تزال تغض الطرف عن العدد المتزايد من اللاجئين السوريين القادمين الى لبنان، وترفض أن تقدم لهم العون والمساعدات التي بذلها السورييون لأهل الجنوب عندما لجأوا إلى سوريا خلال حرب عام 2006. و حزب الله يختبئ إلى الآن خلف خطاب المقاومة متناسيا عمدا كرم الضيافة الذي حظى به من الشعب السوري، في الوقت الذي يشعر فيه أن الكثير من أتباع الحزب بالذنب لإضطرارهم تجاهل دعم السوريين ، ولا يمكن اخفاء ذلك.
يقول عماد من منطقة بنت جبيل في جنوب لبنان: " "عندما بدأت الحرب في عام 2006، غادرت مع عائلتي إلى دمشق، حيث بقيت مع أسرة سورية لم نكن نعرفها، كان بيننا أصدقاء مشتركون فقط فرحبوا ببقاءنا وتقاسموا معنا منزلهم و بقينا على اتصال معهم ، واليوم اتصلوا بي لمعرفة ما اذا كان يمكنهم أن يقضوا معنا بضعة أيام حتى تهدأ الاشتباكات في دمشق. انهم من السنة، ولست متأكدا من كونهم سيكونون في مأمن هنا في الجنوب، لذلك قلت لهم الحقيقة و وصيت عليهم أصدقاء لي في بيروت و طلبت منهم التواصل معهم. أنا لا أعرف إذا كانوا سوف يذهبون لأصدقائي لبيروت، ولكنني أشعر بالسوء و أشعر أنني ناكر للجميل. لماذا لا بد لها أن يكون الأمر على هذا النحو؟
الأمر اليوم ليس عن المقاومة. ولا يهم حقيقة إذا كان النظام السوري فعلا يدعمها أم لا. السؤال المطروح اليوم بالنسبة للشيعة هو: ماذا ستفعل إذا سقط النظام السوري ؟ وهل سيتحمل الشيعة اليوم تبعات الحرب التي أعلنها حزب الله ضد الشعب السوري؟ و هل الشيعة على استعداد لدفع ثمن حرب أخرى؟ هل هم على استعداد للبقاء دروعا بشرية أمام حزب الله ؟ .
الشيعة بالفعل على الحافة، وسخطهم من حزب الله في تصاعد مستمر. فكم من الوقت يحتاجون حتى ينظرون خلفهم  ويقولون : "كفى !" ؟
جرعة صغيرة من التفاعل البشري يمكن أن يكون أبلغ من أي كلام سياسي. ويمكن أن تبدأ من خلال مساعدتهم اللاجئين السوريين. كما يمكنهم أيضا أن يطلبوا من حسن نصر الله أن يتحدث أصالة عن نفسه فقط، ولكن ذلك قد يستغرق بعض الوقت.



رابط المقال الأصلي باللغة الانجليزية

ترجمتي

Monday, 23 July 2012

مطار جدة.. إذا خلص البنزين وأضرب العُمال

جانب من الفوضى المعتادة في مطار جدة


أن تتعطل الرحلات الجوية في مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة لأكثر من خمس ساعات فإن ذلك سيُرجع إلى ذهنك السوي جدا كل الكوارث التي مرت بها جدة، وستغرق أفكارك في شبر مَيّة.. هذا الشبر من المياه لن يتجاوز مشاهد السيول. وإن كانت ذاكرتك “نشمية” فستتذكر انقلاب القطار!
أرجَعَ خيال الدراما المحلية الغارق في مشاهد السيول أسباب تعطل رحلات مطار جدة لأمرين: الأول أن “البنزين خلص” والثاني أن “عمال تعبئة الوقود أضربوا عن العمل”.
أن نعرف الحجم الفعلي لجملة “البنزين خلص” فهذا يحتاج لأن ندرك جيدًا الفرق بين وجود وغياب البرلمان الشعبي المنتخب. وأن تعرف ماذا يترتب على جملة “عمال تعبئة الوقود مضربين”، فهذه أيضا معضلة اجتماعية يصعب استيعابها ونحن نقف تحت “مظلة” تُغيّب النقابات العمالية عن العمل!
وبعد أن اتضح في نهاية اليوم أن تعطل 12 رحلة في مطار جدة مساء أمس الأحد، كان سببه عطلاً فنياً في الخط الرئيس المغذي لشبكة وقود المطار، والتابع لشركة أرامكو، فإن اللوم في انتشار شائعات بهذا المستوى من الخيال المحلي الجميل: “البنزين خلص” و”الاضراب العمالي”، يقع على القصور في النص الدرامي الذي لم يثريه استجواب علني ولم يتجاوز الإعفاء! 
كلنا نعلم أن الإدارة هي مفتاح التنمية، غير أن قلة يعرفون الفرق بين الادارة بالبركة والإدارة الفعالة التي تعتبر المساءلة والإجابة (المحاسبة) من أهم عناصرها بالإضافة إلى عنصر ثالث لا ينقصنا وهو امكانيات الدولة. وحتى نبلغ عنان ذلك سيظل الناس يبحثون عن هاش تاقات في تويتر ونواصي في المدونات لممارسة هذا الدور في اطلاق شائعات والمحاسبة بناءً عليها، وأرجو أن لا يُثقل عليهم أحد بأي عتب وبخاصة اولئك الذين أدركوا الفرق منهم.


منال
نشرت هذه التدوينة في الشرق بتاريخ 23 يوليو 2012
http://www.alsharq.net.sa/2012/07/23/407428

Saturday, 14 July 2012

في ذكرى "بقاء" غسان كنفاني



في مثل هذا اليوم، الثامن من يوليو 1972: حلقت روح فلسطينية حُرّة في سماء بيروت، اغتال الموساد غسان كنفاني. باختصار وبعيدا عن قوقل، غسان مناضل كتب للوطن وكتب للحب! لماذا قتلته إسرائيل وهو “مجرد كاتب”؟ لأن قلم غسان آمن بلزوم المقاومة وبأن زوال إسرائيل هو نتيجة تاريخية حتمية يجب أن يعمل لها العرب جميعا، وليس مسألة جدلية تبحث عن الحلول الوسط!
قرأت للكنفاني روايته الأولى “رجال في الشمس” والتي تحكي محاولة أبو القيس وأسعد ومروان البائسة في الخروج من فلسطين للبحث عن لقمة العيش، فماتوا اختناقا في خزان الحافلة الذي اختبئوا فيه هربًا من أعين رجال الحدود بين البصرة والكويت ليرمي سائقها أبو الخيزران بجثثهم في الصحراء وهو يتساءل: لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟! لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟!!. ما قاله غسان للفلسطينيين هنا قبل خمسين عاماً وهو عمر هذه الرواية: أن الهروب ليس الحل، ولقمة العيش ليست القضية، قاوموا الموت… دُقّوا باب الخزان. كان حقا لهذه الرواية القصيرة والتي تحمل كل هذه الرسائل النضالية أن تترجم إلى 16 لغة من بينها اللغة اليابانية!
الحقيقة التي لا تسرني كثيرًا هي أنني لم أعرف غسان إلا بعدما قرأتُ كتاب “رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان”، والتي نشرت فيه غادة رسائله إليها. هذه الرسائل كشفت الجانب الآخر له، هذا الجانب لا يقل عذوبة عن حقيقته كمناضل.. فالرجل أحب غادة السمان كثيرًا، حبًا يعتقد البعض -الذين لم يهذبهم الحب- أن فيه انتقاصا من قيمته النضالية. وبعيدا عن الجدل حول حق غادة السمان في نشر رسائل غسان إليها من عدمه، فإن الحب والمعاناة في قلب هذه الرسائل جعلت من غسان بدرًا مضيئًا في سماء أدب المقاومة.
ومهما كُتب عن ذلك، فلن تجدوا جسرا تعبرونه إلى أعماق غسان كنفاني أقصر من كلماته نفسها عن الحب والوطن، وإليكم مدد:
  • لقد صرتِ عذابي، وكُتب عليّ أن ألجأ مرتين إلى المنفى، هاربا أو مرغما على الفرار من أقرب الأشياء إلى الرجل وأكثرها تجذرا في صدره… الوطن والحب.
  • إن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح..
  • وإذا كان عليّ أن أناضل من أجل أن أسترد الأرض فقولي لي، أنت أيتها الجنية التي تحيك، كل ليلة، كوابيسي التي لا تُحتمل… كيف أستردك؟
  • إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت.. إنها قضية الباقين.
  • أنتِ في جلدي، وأحسك مثلما أحس فلسطين.
  • ليس المهم أن يموت أحدنا، المهم أن تستمروا.
هل تساءلتم لماذا لم يرحل عنا الكنفاني وناجي العلي ومحمود درويش ولماذا لن يرحل أحمد مطر..؟ لأن ثمة أرواح لا تيأس من القضية وإن غادرت دنيا المعركة! تظل تبحث عن سماء تسكنها… وقلوب تأسرها وعقول تُحيي فيها إيمانها… ومن بين جميع قضايانا يظل الوطن ويحلق الحب فوق حقيقة كل الأشياء ، والدنيا لا تعمّرها والأرواح لا تغمرها سوى القضايا الصادقة.  
منال
نشرت هذه التدوينة في "الشرق" بتاريخ 8 يوليو 2012